عبد الله بن أحمد النسفي

107

مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )

[ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 88 إلى 89 ] وَقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلاً ما يُؤْمِنُونَ ( 88 ) وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ ( 89 ) اللّه عليهم وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ هي بمعنى الخادم ، ووزن مريم عند النحويين مفعل لأنّ فعيلا لم يثبت في الأبنية ، البينات المعجزات الواضحات كإحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص والإخبار بالمغيبات وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أي الطهارة ، وبالسكون حيث كان مكي . أي بالروح المقدسة ، كما يقال حاتم الجود ، ووصفها بالقدس للاختصاص والتقريب . أو بجبريل عليه السّلام لأنّه يأتي بما فيه حياة القلوب ، وذلك لأنّه رفعه إلى السماء حين قصد اليهود قتله ، أو بالإنجيل كما قال في القرآن رُوحاً مِنْ أَمْرِنا « 1 » أو باسم اللّه الأعظم الذي كان يحيي « 2 » بذكره أَ فَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى تحبّ أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ تعظّمتم عن قبوله فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ كعيسى ومحمد عليه السّلام وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ كزكريا ويحيى عليه السّلام ، ولم يقل قتلتم لوفاق الفواصل . أو لأنّ المراد وفريقا تقتلونه بعد لأنّكم تحومون « 3 » حول قتل محمد عليه السّلام لولا أني أعصمه منكم ولذلك سحرتموه وسممتم له الشاة . والمعنى ولقد آتينا يا بني إسرائيل أنبياءكم ما آتيناهم فكلّما جاءكم رسول منهم بالحق استكبرتم عن الإيمان به . فوسّط ما بين الفاء وما تعلقت به همزة التوبيخ والتعجب من شأنهم . 88 - وَقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ جمع أغلف ، أي هي خلقة مغشاة بأغطية لا يتوصل إليها ما جاء به محمد عليه السّلام ولا تفقهه ، مستعار من الأغلف الذي لم يختن بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فردّ اللّه أن تكون قلوبهم مخلوقة كذلك لأنّها خلقت على الفطرة والتمكّن من قبول الحقّ . وإنّما طردهم بكفرهم وزيغهم فَقَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ فقليلا صفة مصدر محذوف أي فإيمانا قليلا يؤمنون . وما مزيدة وهو إيمانهم ببعض الكتاب ، وقيل القلّة بمعنى العدم . غلف تخفيف غلّف وقرئ به ، جمع غلاف أي قلوبنا أوعية للعلوم فنحن مستغنون بما عندنا عن غيره ، أو أوعية للعلم « 4 » ، فلو كان ما جئت به حقا لقبلنا . 89 - وَلَمَّا جاءَهُمْ أي اليهود كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ أي القرآن مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ من كتابهم لا يخالفه وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يعني القرآن يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ

--> ( 1 ) الشورى ، 42 / 52 . ( 2 ) في ( ظ ) و ( ز ) يحيي الموتى بذكره . ( 3 ) ليس في ( أ ) و ( ظ ) تحومون . ( 4 ) في ( ز ) للعلوم .